د. بسّام أبو عبد الله .
31 تشرين الأول/أكتوبر 2026
لم يكن تصريح توم براك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية والعراق، بشأن صعوبة جذب الاستثمارات إلى سورية مجرد توصيف لأزمة اقتصادية متراكمة، بل كشف عن فجوة عميقة بين الوعود التي سُوّقت منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، والواقع السياسي والاقتصادي الذي يحول دون تحقيقها. فالتصريح جاء من مسؤول أميركي ساهم في الترويج للانفتاح على السلطة المؤقتة في دمشق، لا من جهة معارضة لها.
في مقابلته مع شبكة CNN، يوم الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قال براك، متحدثاً عن استقطاب الشركات الأجنبية:
“Trying to find somebody to come and invest inside of Syria, by the way, is an almost an impossibility.”
أي: «إن العثور على جهة مستعدة للمجيء والاستثمار داخل سورية يكاد يكون أمراً مستحيلاً».
تكمن أهمية هذا التصريح في أن براك لم يتحدث عن صعوبات نظرية، بل كشف عن استعانته بعلاقاته المهنية الممتدة نحو أربعة عقود للتواصل مع شركات طاقة كبرى، بينها إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس وتوتال، سعياً إلى تشجيعها على الاستثمار في سورية، رغم أن استرداد عوائد بعض المشروعات قد يحتاج إلى عشر سنوات أو خمس عشرة سنة.
هنا تكمن المفارقة: إذا كان الانفتاح السياسي قد فتح الأبواب أمام سورية، فلماذا يحتاج إقناع الشركات بدخولها إلى كل هذه الجهود، فيما لا تزال المخاطر الأمنية والمالية والقانونية قائمة؟
أولاً- من مذكرات التفاهم إلى امتحان الواقع :
في 4 شباط/فبراير 2026، وُقّعت في دمشق مذكرة تفاهم بين الشركة السورية للبترول وشركة شيفرون الأميركية وشركة باور إنترناشونال هولدينغ القطرية، بحضور براك. لكن مذكرة التفاهم ليست استثماراً منفذاً، ولا تعني أن الأموال دخلت الاقتصاد أو أن الإنتاج بدأ. وقد أوضحت الشركة السورية للبترول أن الانتقال إلى اتفاق تنفيذي يرتبط بالدراسات الفنية والاقتصادية، وأن الوصول إلى مراحل الاستكشاف والإنتاج قد
يستغرق سنوات.
المصدر: وكالة سانا، 4 شباط/فبراير 2026، وسانا، 6 شباط/فبراير 2026.
وفي المقابل، أفادت رويترز في كانون الثاني/يناير 2026 بأن شركة شل طلبت الانسحاب من حصتها في حقل العمر النفطي ونقلها إلى مشغلين سوريين. ولا يثبت هذا القرار وحده استحالة الاستثمار، لكنه يؤكد أن وجود الموارد لا يكفي لضمان استمرار الشركات أو عودتها.
المصدر: رويترز، 19 كانون الثاني/يناير 2026.
فالمستثمر لا يكتفي بالوعود السياسية، بل يحتاج إلى قضاء موثوق، وعقود قابلة للتنفيذ، ومصارف فعالة، وإمكان تحويل الأرباح، وبيئة أمنية مستقرة. كما أن تخفيف العقوبات، مهما بلغت أهميته، لا يعني اختفاء جميع القيود أو زوال متطلبات الامتثال المصرفي، ولا يعوّض ضعف المؤسسات والإنتاج والثقة بالعملة.
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت سورية تمتلك فرصاً اقتصادية؛ فهي تمتلك موارد وموقعاً وكفاءات بشرية مهمة ، لكن السؤال هو: هل نجحت السلطة المؤقتة في توفير الشروط التي تحوّل هذه الإمكانات إلى استثمارات فعلية، وإنتاج وفرص عمل وتحسن ملموس في حياة السوريين؟
ثانياً- أزمة الحكم وحدود الرهان الأميركي :
لا تنفصل المخاطر الاقتصادية عن الأزمة السياسية والاجتماعية. فالمجازر التي شهدها الساحل والسويداء، والخلافات المستمرة مع القوى الكردية، ومشكلة المقاتلين الأجانب، تطرح أسئلة جوهرية بشأن الأمن والثقة وطبيعة الدولة التي
يجري بناؤها.
فالعلويون والدروز والأكراد ليسوا عقبات أمام بناء الدولة، بل مكونات أصيلة من المجتمع السوري، ومواطنون لهم حقوق متساوية. والاستقرار الذي يحتاج إليه المستثمر لا يتحقق بمجرد توقف المواجهات أو حصول السلطة على اعتراف خارجي، بل يتطلب قانوناً يحمي الجميع، ومحاسبة على الانتهاكات، ومشاركة سياسية حقيقية، وضمانات تمنع تحويل الاختلاف إلى تهديد أمني.
وهنا تظهر حدود الرهان الأميركي ، فقد تحقق واشنطن مكاسب أمنية وسياسية محددة من تعاملها مع أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، من دون أن يعني ذلك نجاحاً في بناء دولة مستقرة أو اقتصاد قادر على جذب الاستثمارات المنتجة. كما أن تجنب التصعيد العسكري مع إسرائيل أو الاستعداد لترتيبات إقليمية معينة لا يشكل، بحد ذاته، معياراً لنجاح السلطة في تلبية تطلعات السوريين.
ولا يعني تصريح براك أن واشنطن تخلت عن الشرع أو أعلنت فشل سياستها، لكنه يكشف أن الانفتاح الخارجي لا يستطيع وحده إنتاج الاستقرار الداخلي، وأن الاعتراف السياسي لا يعوّض ضعف المؤسسات، مثلما لا تستطيع العلاقات الدبلوماسية أن تفرض الثقة على المستثمرين !!!
ثالثا” – حين ارتطمت الفقاعة بالواقع :
لقد آن الأوان لسقوط الأوهام التي نُفخ فيها طويلاً خلال العامين الماضيين، تحت عناوين «الفتح» و«التحرير» و«سورية الجديدة»، وكأن إسقاط النظام السابق يكفي وحده لصناعة دولة حديثة وتحويل سورية إلى «سنغافورة» إقليمية. تضخّم البالون السياسي والإعلامي حتى اختلطت الوعود بالإنجازات، والتصفيق بالشهادات، والاعتراف الخارجي بالنجاح الداخلي ، و رافق ذلك خطاب من الاستعلاء والفوقية، واستهانة بالاعتراضات، وإطلاق لألسنة بذيئة في وجه المنتقدين، وكأن امتلاك السلطة يمنح أصحابها حق احتكار الحقيقة وإسكات كل من يطالب بالمحاسبة ، وحين تعجز السلطة عن إقناع الناس بالوقائع، يصبح التخويف والتهديد والوعيد أدوات بديلة عن الإجابة ، لكن إسكات الأسئلة لا يحل الأزمات، بل يكشف الخوف من مواجهتها ، ثم جاء الواقع الاقتصادي ليقول كلمته.
فبعد كل الحديث عن المليارات، والفرص التاريخية، والانفتاح الدولي، وإعادة الإعمار، يعترف المبعوث الأميركي نفسه بأن العثور على مستثمرين مستعدين لدخول سورية يكاد يكون مستحيلاً. يا للمفارقة! من «سنغافورة السورية» الموعودة إلى صعوبة إقناع الشركات بالاستثمار ومن خطاب الثقة المطلقة إلى الاعتراف بمخاطر لم تستطع الوعود تبديدها!
ما انفجر ليس أمل السوريين بالنهوض، بل الفقاعة التي صُنعت من المبالغة، وخلط الأمنيات بالوقائع، وتسويق المستقبل كأنه إنجاز تحقق بالفعل. فالدول لا تُبنى بالصخب، ولا تُدار بالغرور، ولا تنهض بتقديس الحاكم أو تلميع صورته أو تخويف منتقديه. إنها تُبنى بالقانون والمؤسسات والمحاسبة والمواطنة المتساوية، وبقدرة السلطة على الاعتراف بأخطائها
وتصحيحها.
أما «سنغافورة السورية» التي سبقت ولادتها كل هذه الضجة، فقد باتت أمام اختبار الحقيقة: أين الاستثمارات المنفذة؟ وأين فرص العمل؟ وأين التحسن الملموس في الخدمات والدخل والقدرة الشرائية؟ ومن دون إجابات واضحة، سيظل الفارق شاسعاً بين ما يُقال وما يعيشه السوريون.
لقد ارتطمت الفقاعة بالواقع، بعد كلام توم براك وهو الذي ظل ينفخها حتى انفجرت في وجهه، والمشكلة ليست فيمن حذّر من هشاشتها، بل فيمن عاش و روج لوهم الفقاعة، وطالب الناس بالتصفيق لها، وخوّن كل من أشار إلى انها ستنفجر. فالأوهام قد تؤجل مواجهة الحقيقة، لكنها لا تستطيع إلغاءها !!!!








