شعيب زكريا/عكار
لم يكن السباق إلى الندوة النيابية في عكار، في كثير من محطاته، مجرد تنافس ديمقراطي على ثقة الناس، بقدر ما كان امتحاناً مبكراً لمدى ثبات بعض الطامحين حين تغيب ساعة الاستحقاق. فمع تحديد موعد الانتخابات، خرجت أسماء كثيرة إلى الواجهة، واشتعلت حركة سياسية واجتماعية لافتة، رافقتها إنفاقات كبيرة ومساعدات متفرقة رُفعت لها عناوين رفع الحرمان والوقوف إلى جانب الناس، فيما تكاثرت حول المرشحين مجموعات من أصحاب المصالح وتجار المواقف، ممن يُطلق عليهم في القاموس الانتخابي اسم المفاتيح.
لكن تأجيل الانتخابات فعل ما لا تفعله الحملات الانتخابية فقد أعاد كل شيء إلى حجمه الطبيعي، وأظهر من كان يتحرك من أجل عكار، ومن كان يتحرك من أجل موعد الانتخابات.
فما إن انطفأت حرارة الاستحقاق حتى تبدلت المشهدية. انكفأ أحمد حدارة بصورة ملحوظة، وكأن انتهاء الموعد الانتخابي أنهى، معه، الحاجة إلى الحضور السياسي. أما سرحان بركات، فما زال يحاول إبقاء اسمه في دائرة التداول من خلال إطلالات اجتماعية متفرقة، فيما بقي حضور علاء يحيى، ابن شقيق النائب محمد يحيى، محدوداً وفي نطاق مناسبات بعينها، ولا سيما مجالس العزاء.
وليس المقصود هنا محاسبة أحد على حضوره أو غيابه، فذلك حق شخصي وسياسي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين يكون المرشح حين لا تكون هناك صناديق اقتراع؟ وأين يكون حين لا يكون للناس صوت انتخابي يحتاج إليه؟
فالسياسة التي تُختزل بموسم انتخابي سرعان ما تنكشف حقيقتها عندما يطول الفاصل بين استحقاق وآخر. أما العمل العام الحقيقي، فلا يحتاج إلى موعد انتخابي كي يبدأ، ولا إلى صناديق اقتراع كي يستمر، ولا إلى سرادق عزاء كي يتذكر أصحابه أن لهم في عكار حضوراً.
عكار ليست تركة سياسية تنتقل من يد إلى أخرى، ولا مقعداً نيابياً يُستعاد كل أربع سنوات بحسابات المال والخدمات والمفاتيح. عكار مجتمع كامل، له ذاكرة طويلة، وناس يعرفون جيداً من وقف إلى جانبهم في أيام الشدة، ومن لم يتذكرهم إلا عندما اقترب موعد الاقتراع.
ولعل تأجيل الانتخابات، منح العكاريين فرصة ثمينة لقراءة المشهد بعيداً عن ضجيج المهرجانات والوعود والمساعدات الانتخابية. فالاستحقاق قد يتأخر، لكن الذاكرة لا تتأجل؛ والناس لا تنسى من حضر بينهم عندما كانت حاجتهم حقيقية، كما لا تنسى من غاب عندما غابت صناديق الاقتراع.
وفي السياسة، قد يؤجَّل موعد الانتخابات، لكن موعد الحساب يبقى قائماً… والتاريخ، كما الناس، لا ينسى.








