بقلم: طلال الأسعد – كاتب ومحلل سياسي
لا يمكن قراءة الزيارتين الإيرانية والقطرية إلى لبنان من زاوية الصور الرسمية واللقاءات البروتوكولية وحدها، فالدبلوماسية في جوهرها ليست ما يظهر أمام عدسات الكاميرات فحسب، بل أيضاً ما يُطرح على طاولات البحث، وما تتباين حوله المواقف، وما تسعى الأطراف إلى تحقيقه من خلال توقيت الزيارة وطبيعة اللقاءات.
وفي ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان، تكتسب التحركات الدبلوماسية الإيرانية والقطرية أهمية خاصة، نظراً إلى اختلاف أدوار الدولتين وحساباتهما، وإلى ارتباط مستقبل لبنان بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة.
إيران: الحفاظ على الحضور والتأثير
تأتي الزيارة الإيرانية في سياق مرحلة تتزايد فيها الأسئلة حول مستقبل الوضع اللبناني، وعلاقة الدولة بالسلاح، وموقع حزب الله في المعادلة السياسية والأمنية، فضلاً عن التحديات التي يواجهها لبنان في الجنوب.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التحرك الإيراني باعتباره محاولة للحفاظ على قنوات التواصل مع الدولة اللبنانية، وتوضيح المواقف حيال الملفات المطروحة، وصون قدرة طهران على التأثير في مسار التطورات المقبلة.
لكن من الضروري عدم الخلط بين هذه القراءة السياسية وبين القول إن اتفاقاً سرياً قد أُبرم بالفعل؛ إذ إن إثبات ذلك يحتاج إلى معلومات موثوقة تتجاوز التحليلات والتكهنات.
قطر: الوساطة والدعم وإعادة تثبيت العلاقات العربية
أما الزيارة القطرية، فتأتي في إطار اهتمام الدوحة بلبنان، وبإمكانية المساهمة في دعم مؤسساته الرسمية وتعزيز الاستقرار، إلى جانب دور الوساطة الذي سبق أن اضطلعت به في محطات لبنانية مفصلية.
وتبرز هنا ملفات دعم الجيش اللبناني، وتعزيز حضور الدولة، وتهيئة الظروف الملائمة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، فضلاً عن أهمية العلاقات العربية في مساعدة لبنان على تجاوز أزماته.
غير أن ترجمة هذه العناوين إلى نتائج فعلية تبقى مرتبطة بما ستسفر عنه اللقاءات من مبادرات واضحة والتزامات قابلة للتنفيذ.
هل نضجت التفاهمات خلف الأبواب المغلقة؟
هذا هو السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يشغل المتابعين والمحللين.
فغياب إعلان حاسم لا يعني بالضرورة فشل المحادثات، كما أن انعقاد الاجتماعات وتبادل التصريحات الإيجابية لا يعنيان أن التفاهمات قد اكتملت. ففي العمل الدبلوماسي، قد تسبق مرحلة جسّ النبض وتبادل الرسائل أي اتفاق نهائي، وقد تحتاج الأطراف إلى مشاورات إضافية قبل إعلان نتائج ملموسة.
ومن هنا، فإن الاحتمال القائم هو أن تكون الزيارتان قد ساهمتا في توضيح المواقف وفتح قنوات للنقاش، فيما لا تزال الملفات الأكثر حساسية بحاجة إلى مزيد من البحث والتفاهم. لكن لا يمكن الجزم بأن اتفاقاً سرياً قد نضج أو أن قراراً نهائياً قد اتُّخذ من دون أدلة واضحة.
الجنوب والجيش ومستقبل القرار اللبناني
لا يمكن فصل هذه التحركات عن مستقبل الوضع في جنوب لبنان، ومصير التفاهمات الأمنية، وضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتعزيز قدرة الجيش اللبناني على أداء مسؤولياته.
وهنا تتقاطع الأسئلة السياسية والأمنية: هل ستتحول الاتصالات إلى خطوات عملية لدعم الجيش؟ وهل ستظهر مبادرات تساعد على تثبيت الاستقرار وحماية السيادة اللبنانية؟ وهل تستطيع الدبلوماسية أن تفتح مساراً يخفف التوتر ويجنب البلاد مواجهة جديدة؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الصور ولا البيانات العامة، بل تجيب عنها النتائج الميدانية والقرارات الرسمية وما يُترجم من وعود إلى خطوات قابلة للقياس.
لبنان بين التوازنات الخارجية والسيادة الوطنية
إن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل في استقبال الوفود أو الحفاظ على العلاقات مع الدول المختلفة فحسب، بل في القدرة على إدارة هذه العلاقات بما يخدم المصلحة الوطنية، ويعزز مؤسسات الدولة، ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
فإيران تسعى إلى الحفاظ على حضورها وتأثيرها، وقطر تمتلك أدوات دبلوماسية ومالية يمكن أن تسهم في دعم لبنان، فيما تبقى مسؤولية الدولة اللبنانية أن تحدد أولوياتها وأن تستفيد من علاقاتها الخارجية بما يصون سيادتها واستقرارها.
الخلاصة
في تقديري، لا ينبغي التسرع في إعلان نجاح الزيارتين أو تعثرهما. فالمعيار الحقيقي ليس مستوى الاستقبال أو عدد الاجتماعات، بل ما إذا كانت هذه التحركات ستفضي إلى تفاهمات واضحة بشأن الجنوب، ودعم الجيش، وتعزيز مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار.
حتى تتضح النتائج، تبقى القراءة الأكثر موضوعية أن الاتصالات الدبلوماسية قد تكون فتحت أبواباً للنقاش، لكن الحكم على مآلاتها يحتاج إلى انتظار المؤشرات العملية والإعلانات الرسمية.
ففي السياسة، ليست كل زيارة اتفاقاً، وليست كل محادثة تسوية، وليس كل ما يجري خلف الأبواب المغلقة قابلاً للاستنتاج من الصورة وحدها








