قرأت أمس مقال الدكتور حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، في ذكرى وفاة جمال عبد الناصر.
قرأته وأنا أعرف مسبقاً أنني أقف فكرياً وسياسياً في مكان مختلف تماماً عن المكان الذي يقف فيه الرجل.
لم يُخفي الدكتور الشرع في مقاله تاريخه الناصري، ولا أفكاره التي حملها لعقود، ولا إيمانه بذلك التيار الذي أعرف أنني أختلف معه، وربما أختلف معه جذرياً.
ولا أريد هنا أن أدخل في سجال حول الناصرية، ولا أن أهاجم اليسار العربي أو القومي أو الاشتراكي.
أفكاري معروفة، وموقفي السلبي من هذه المدارس معروف.
لكنني، وأنا أقرأ التعليقات تحت المقال، وجدت نفسي أفكر في شيء آخر تماماً:
متى تحولت الحرية في أذهاننا من حق في الاختلاف إلى رخصة في الإهانة؟
من حقك أن تكره الناصرية، ومن حقك أن ترى في أفكار الدكتور الشرع أخطاء سياسية وفكرية كبيرة.
ومن حقك أن ترد على مقاله وأن تفنّد حججه وأن تقول له: أنت مخطئ.
لكن ليس من حقك باسم الحرية، أن تسخر من عمره، أو تشكك في قدرته العقلية، أو تحوّل اختلافك معه إلى حفلة تنمّر على إنسان قضى عشرات السنين يقرأ ويكتب ويبحث ويؤلف، وله عشرات المقالات والأبحاث والكتب.
يمكنك أن تهدم الفكرة، دون أن تهدم صاحبها.
يمكنك أن ترفض العقيدة السياسية، دون أن تهين من يملكها.
هذه هي الحرية التي أؤمن بها.
أما أن تظن أن حصولك على حرية الكلام يعني حصولك على حق إهانة الآخرين، فهذه ليست حرية.
هذه فوضى لسان، لا حرية رأي.
واللافت أكثر في قصة الدكتور حسين الشرع ليس فقط أنه والد رئيس سوريا، بل أن هذا البيت نفسه يحمل مفارقة سياسية وفكرية تكاد تختصر تاريخاً كاملاً من تاريخنا.
أب ناصري، يساري في انتمائه الفكري، حمل أفكاره ودافع عنها وكتب فيها عقوداً، وابن جاء من مسار آخر تماماً، من أقصى الطرف المقابل تقريباً في الخريطة السياسية والفكرية حتى انتهى به الطريق إلى قيادة سوريا.
أب وابن يمكن أن يختلفا في تفسير العالم، وفي السياسة، وفي الدولة، وفي الدين، وفي مستقبل سوريا، لكنهما بقيا أباً وابناً.
وهذا، في رأيي، أكثر ما يستحق التأمل.
لذلك، قبل أن تكتب تعليقاً ساخراً على الدكتور حسين الشرع، وقبل أن تجعل من عمره أو أفكاره أو شخصه مادة للتهكم، توقف دقيقة واحدة فقط، وضع نفسك مكان أحمد الشرع.
تخيل أنك تفتح هاتفك، وتقرأ الناس وهم يسخرون من أبيك.
تخيل أن رجلاً غريباً لا تعرفه، ولا يعرفك، ولا تعرف شيئاً عن حياته، يكتب عن أبيك كلاماً جارحاً فقط لأنه اختلف معه في السياسة.
قد تكون أنت نفسك مختلفاً مع أبيك.
قد تكون ناقشته عشرات المرات.
لكن هناك شيئاً لا تستطيع السياسة أن تفعله:
لا تستطيع أن تجعل الأب أقل أبوة، ولا تجعل الابن أقل ابناً.
وربما لهذا السبب تحديداً، حين قرأت بعض التعليقات على والد الرئيس، لم أفكر كثيراً في الناصرية ولا في اليمين ولا في اليسار، فكرت في رجل يقرأ عن أبيه ما يكتبه الناس.
وفكرت أن السياسة مهما كانت قاسية، هناك أشياء لا ينبغي أن نجرّد أنفسنا من إنسانيتنا لكي نختلف حولها.
لأننا قبل أن نكون معارضة أو موالاة، يميناً أو يساراً، ثواراً أو سياسيين، وقبل أن نكون أصحاب حسابات ومنشورات وتعليقات…
نحن أبناء لآباء.
نحن آباء لأبناء..
والذي يعرف معنى أن يكون له أب، يعرف أن أقسى ما يمكن أن تراه ليس أن يختلف الناس مع أبيك، بل أن يهينوه أمامك، ثم يسمّوا ذلك حرية..







