نزل خبر مقتل رجل الأعمال عبد الله كرامي، صهر رئيس الحكومة الأسبق عُمر كرامي، داخل مكتبه الخاصّ في طرابلس إثر إطلاق النّار عليه، كالصاعقة على الرّأيّ العام الطرابلسيّ. فهذه الجريمة المروّعة، التي وقعت صباح أمس، ليست الوحيدة في المدينة، ولن تكون الأخيرة، في ظلّ التراخي الأمني الذي تشهده، حيث بات أيّ شخص يحمل سلاحًا قادرًا على رفعه في وجه من يشاء، مطمئنًا إلى أنّه “مغطّى” ولن يُلاحق بجدّية أو يُكشف أمره.
حتّى هذه اللحظة، لا توجد معطيات واضحة تكشف ملابسات الجريمة، ولكنّ أوساطًا في الشارع الطرابلسيّ تتحدّث عن تلقّي كرامي تهديدات، كان آخرها صباح أمس، قبل مقتله، وتربط الجريمة بخلافات مالية. كذلك يتردّد أنّ “مافيات” تقف وراء قتله. ويرى أصحاب هذه الرواية، أنّ من أراد سرقته، مثلًا، كان بإمكانه قتله وسرقته من دون توجيه أيّ تهديد مسبق، فيما تُشير التهديدات بالقتل، برأيهم، إلى وجود أسباب أكبر، تستوجب الكشف عنها.
المستغرب في طرابلس اليوم، هو “الوقاحة” في حمل السلاح والتجرّؤ على الاعتداء والقتل. فمنذ ساعات تعرّض أحد سكّان باب الحديد لإطلاق نار أصابه في قدميْه، على يدّ “مجهول” أثناء وجوده في منطقّة القبّة، قبل أنْ يلوذ مطلق النّار بالفرار إلى جهة “مجهولة”، على الرّغم من وجود كاميرات مراقبة في المنطقة والتي يُفترض أنْ تُساعد في كشف هوّيته سريعًا.
وفي حادثة أُخرى، تعرّضت سيّارة إحدى السيّدات لإطلاق نار قرب البوليفارد في طرابلس، على يدّ علي محمود الذي كان يستقلّ دراجة نارية برفقة زوجته وطفله، وفق المعلومات المتداولة. وقد أشهر مسدّسه باتجاه سيارتها وأطلق ثلاث طلقات، في واقعة وثّقتها كاميرات المراقبة وأثارت استهجان المواطنين، وهذا جزء من المشاهد اليومية التي يتلقّاها الطرابلسيّون.
وفي ظلّ خطورة هذه الجرائم وتكرارها، تقول أوساط طرابلسية لموقع “لبنان الكبير” إنّها تُشكّل مؤشرًا خطيرًا إلى أزمة أوسع. ويربط بعض هذه الأوساط ما يحصل بغياب الأمن وهيبة الدّولة، فيما يُشدّد آخرون على انعكاساته السلبية على البيئة الاستثمارية التي يُعوّل عليها أبناء الشمال، محذّرين من محاولات إثارة الفوضى أو الفتن وفرض بيئة طاردة للاستثمار”.
من هنا، يتساءل المحامي محمّد صبلوح عن “الحسّ الأمني” لدى الأجهزة، متّهمًا إيّاها بازدواجية المعايير، إذْ يُلاحق بعضها ملفات تحت عنوان “الأمن الاستباقي”، فيما يعجز عن الحدّ من الجرائم في طرابلس وكشف المتورّطين فيها. ويقول لموقع “لبنان الكبير”: “هناك جهة واحدة يُفبركون بحقّها السيناريوهات، أمّا الجهات الأُخرى، فلا يقتربون منها ولا يُضخّمون الأحداث المرتبطة بها”.
ويستند صبلوح إلى عدد من الملفات لتدعيم موقفه:
أوّلًا، شبكة عكّار: يتساءل صبلوح عن مصير الشبكة التي كُشف عنها في عكّار مطلع أيلول الماضي، وقيل إنّها تضمّ أشخاصًا من فلول النّظام وحزب الله، معتبرًا أنّ التعامل معها أو اختفاءها يُثير التساؤلات حول طريقة التعاطي مع الملف “مع أنّنا نتحدّث منذ عاميْن عن وجود الفلول، استنادًا إلى تقارير دولية تكشف عن مخطّط يستهدف لبنان وسوريا، لكنّ أحدًا لم يصغِ إلينا”.
ثانيًا، اغتيال البابا: ينتقد قدرة الأجهزة على توقيف سوري في البترون قيل إنّه اعترف بالتخطيط لاغتيال البابا لاوون، مقابل العجز عن ضبط السلاح المتفلّت والحدّ من الجرائم في طرابلس.
ثالثًا، زيارة الشيباني: ينتقد ما رافق زيارة وزير الخارجية السوريّ أسعد الشيباني إلى طرابلس من بلبلة وترويج لوصف المدينة بأنّها “إمارة”، متسائلًا عن أسباب تشديد الرّقابة على فئة دون أُخرى.
رابعًا، اختفاء شاب: يعود صبلوح إلى حادثة إطلاق النّار على شبّان كانوا يسرقون كابلات كهربائية في بلدة قرحيا شمالًا في أيلول العام 2025 إثر مرور سيارة رباعية الدّفع، والتي اختفى خلالها إبراهيم بسام جمال، ولم يُعثر عليه حتّى اليوم. ويُشير صبلوح إلى أنّ مواصفات السيارة التي مرّت في المكان معروفة، لكنّ الأجهزة لم تتمكّن من كشف هويّتها وملاحقتها، بحجّة نقص التقنيات، مضيفًا: “ما زالت والدة إبراهيم تسأل عن مصيره باستمرار. فأين الجدّية في التعاطي مع هذا الملف؟”.
وخامسًا، براءة موكّله: يذكر صبلوح أنّ موكّله أوقف في تمّوز 2026، تنفيذًا لحكم غيابي بالمؤبّد صدر العام 2023، في قضيّة مرتبطة بخليّة انتحاريّة قبل أنْ تصدر براءته عند منتصف ليل أمس، ويتساءل: “كم من شاب اعتُقل وهو بريء، وقضى أعوامًا خلف القضبان؟ وكيف تستشعر الدّولة خطر فئة واحدة، فيما تعجز عن مواجهة الخطر الحقيقي المتمثّل بالسلاح المتفلّت وتُجّار المخدّرات في طرابلس وغيرها؟.
ويختم قائلًا: “نحتاج إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بكلّ المقاييس، وفي ظلّ انتشار السلاح المتفلّت في طرابلس، أؤكّد أنّ حمل السلاح، لا يتمّ من دون غطاء أمنيّ، وهو يُستغلّ لإثارة الفوضى في المدينة”









